ابن أبي الحديد

12

شرح نهج البلاغة

وحكى عن أبي إسحاق النظام وجعفر بن مبشر ، أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو والنسيان ، وأنهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أمتهم ، لان معرفتهم أقوى ، ودلائلهم أكثر ، وأخطارهم أعظم ، ويتهيأ لهم من التحفظ ما لا يتهيأ لغيرهم . وقالت الامامية : لا تجوز عليهم الكبائر ولا الصغائر ، لا عمدا ولا خطأ ، ولا سهوا ولا على سبيل التأويل والشبهة ، وكذلك قولهم في الأئمة ، والخلاف بيننا وبينهم في الأنبياء يكاد يكون ساقطا ، لان أصحابنا إنما يجوزون عليهم الصغائر ، لأنه لا عقاب عليها ، وإنما تقتضي نقصان الثواب المستحق على قاعدتهم في مسألة الاحباط ، فقد اعترف إذا أصحابنا بأنه لا يقع من الأنبياء ما يستحقون به ذما ولا عقابا ، والامامية إنما تنفى عن الأنبياء الصغائر والكبائر من حيث كان كل شئ منها يستحق فاعله به الذم والعقاب ، لان الاحباط باطل عندهم ، فإذا كان استحقاق الذم والعقاب يجب أن ينفى عن الأنبياء ، وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب ، فقد صار الخلاف إذا متعلقا بمسألة الاحباط ، وصارت هذه المسألة فرعا من فروعها . * * * واعلم أن القول بجواز الصغائر على الأنبياء بالتأويل والشبهة على ما ذهب إليه شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى ، إنما اقتضاه تفسيره لآية آدم والشجرة ، وتكلفه إخراجها عن تعمد آدم للعصيان ، فقال : إن آدم نهى عن نوع تلك الشجرة لا عن عينها ، بقوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) ، وأراد سبحانه نوعها المطلق ، فظن آدم أنه أراد خصوصية تلك الشجرة بعينها ، وقد كان أشير إليها فلم يأكل منها بعينها ، ولكنه أكل من شجرة أخرى من نوعها ، فأخطأ في التأويل . وأصحاب شيخنا أبى هاشم لا يرضون هذا المذهب ويقولون إن الاشكال باق بحاله ، لان آدم أخل بالنظر على